الشيخ محمد النهاوندي
38
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
مقبول وَ الحال أنّي قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ وأعلمتكم في دار الدنيا بتوسّط رسلي وكتبي بِالْوَعِيدِ والعذاب الشديد على الشرك والطغيان ، وأتممت الحجّة عليكم ، وقطعت عذركم ، فاليوم ما يُبَدَّلُ ولا يغيّر الْقَوْلُ الذي قلته ، والوعيد الذي وعدته على الشرك والكفر والطغيان في كتابي بقولي : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ « 1 » وقولي : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ « 2 » فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ « 3 » . لَدَيَّ بوقوع الخلف فيه وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ بتعذيبهم بغير استحقاق أشدّ العذاب مع كونهم أهلين للرحمة والعطوفة وإنّما نفى كثرة الظلم عن نفسه مع أنّه لا يصدر منه أقلّه ؛ لأنّه لو عذّبهم بهذا العذاب الشديد بغير استحقاق ، كان أكثر ظلما من كلّ ظالم . قيل : إنّ كثرة الظلم المنفي باعتبار كثرة العبيد « 4 » . وقيل : إنّ المبالغة راجعة إلى النفي ، لا إن النفي وارد على صيغة المبالغة « 5 » . وقيل : إنّ الظلّام بمعنى الظالم ، كالتمّار بمعنى التامر . وقيل : إنّ الظلام تقديري ، والمعنى أنّي لو ظلمت عبدي الضعيف المستحقّ لغاية الرحمة ، لكان ذلك غاية الظلم ، وما أنا بذلك « 6 » . وقيل : إنّ نفي كونه ظلّاما لا ينافي نفي كونه ظالما ، ونفيه للعبيد لا ينافي عدم كونه ظالما لغيرهم « 7 » . [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 30 إلى 32 ] يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ( 30 ) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ( 31 ) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ( 32 ) وذكر العبيد والتخصيص بهم لكونهم أقرب إليه ، وكونه أقبح منه ، كما أنّه لا ينافي نفي كونه ظالما في جميع الأزمنة تخصيص نفيه بيوم القيامة بقوله : يَوْمَ والمعنى ما أنا بظلام للعبيد في يوم نَقُولُ في ذلك اليوم مع عظمتنا ، طلبا « 8 » لتصديقنا في أخبارنا ، وتحقيق وعدنا ، وتقريع أهل العذاب لِجَهَنَّمَ ودار العذاب بعد إلقاء جميع الكفّار من الجنّ والإنس فيها : هَلِ امْتَلَأْتِ بمن ألقينا فيك ، وهل وفينا بوعدنا إيّاك أن نملأك من الجنّة والناس ؟ وَتَقُولُ جهنّم مجيبة لنا ، واستكثارا لما القي فيها مع غاية سعتها وتباعد أقطارها وأطرافها : يا رب هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وموضع يمكن أن يلقى فيه « 9 » زيادة على ما القي فيّ ، لا وعزّتك لم يبق فيّ موضع يسع إبرة . وقيل : إنّ الاستفهام لطلب الزيادة غيظا على الكفّار والعصاة ، وكان السؤال قبل إدخال الكلّ فيها ، أو
--> ( 1 ) . النساء : 4 / 48 و 116 . ( 2 ) . النساء : 4 / 48 و 116 . ( 3 ) . البقرة : 2 / 81 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 126 . ( 5 و 6 ) . تفسير الرازي 28 : 172 . ( 7 ) . تفسير الرازي 28 : 173 . ( 8 ) . في النسخة : طالبا . ( 9 ) . في النسخة : في .